في السياسة، كما في الحياة، لا يكفي أن يكون المرء على صواب؛ بل لا بد أن يمتلك شجاعة إعلان هذا الصواب، والقدرة على الذود عنه حين تعصف به الأصوات، وتتنازعه التأويلات، وتستحكم حوله الضوضاء. فالمواقف التي لا تجد من يحملها إلى الناس بوضوح وثقة، تذبل في زحمة الخطابات المرتفعة، وتغدو كأنها لم تكن، مهما كانت وجاهتها وقوة حجتها.
وقد بدت هذه الحقيقة جلية بظهور صوت مختلف من داخل الأغلبية، صوت اختار ألا يلوذ بالصمت، وألا يكتفي بمراقبة السجال من بعيد.
لقد وقفت النائب سعداني منت خيطور لتدافع، لا بانفعال أجوف، وإنما بكلمة متماسكة، واثقة، استندت إلى الوقائع، واستحضرت الأدلة، وواجهت الاتهامات بمنطق هادئ ولغة قوية. ومهما اختلف الناس حول مضامين خطابها أو زواياه، فإن مجرد خوضها معركة التوضيح والدفاع بدا حدثًا يستحق التأمل، لأنه كسر ذلك الصمت الطويل الذي اعتاد كثير من رموز الموالاة الاحتماء به.
فالأغلبية، في كثير من الأحيان، تتصرف كما لو أن الحكم وحده يكفي لإقناع الناس، وكأن الإنجاز يغني عن شرحه، أو كأن القرارات تفرض احترامها بمجرد صدورها. ولذلك تركت الساحة، طويلاً، لأصوات المعارضة كي تملأ الفضاء العام بما تشاء من روايات وتفسيرات وانتقادات، حتى بدا المشهد وكأن طرفًا واحدًا فقط يملك الحماسة للكلام، والقدرة على التأثير، والجرأة على مخاطبة الرأي العام.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
فالسياسة ليست إدارة صامتة للمؤسسات فحسب، بل هي أيضًا معركة سرديات، وصراع إقناع، وتنافس على تشكيل الوعي العام. ومن ينسحب من ميدان الخطاب، يسلّم خصمه ــ طوعًا ــ مفاتيح التأثير. وليس من الحكمة أن تظل الأغلبية متوجسة من الدفاع عن خياراتها، أو مترددة في شرح رؤيتها، أو خائفة من خوض النقاشات العامة، بينما تتسع منصات التعبير وتتعدد وسائل الاتصال، من البرلمان إلى الإعلام، ومن المنابر التقليدية إلى الفضاء الرقمي الرحب الذي صار يصنع الرأي العام في ساعات قليلة.
لقد تغير الزمن. ولم يعد الصمت فضيلة سياسية كما كان يُظن أحيانًا، بل قد يتحول إلى فراغ يملؤه الآخرون بما يريدون. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى ما يمكن تسميته ــ مجازًا ــ بـ”تسعدن” أهل الموالاة؛ أي أن يمتلكوا روح المبادرة في الدفاع، وشجاعة الظهور، وثقة التعبير عن قناعاتهم دون ارتباك أو اعتذار.
فليس عيبًا أن يدافع الإنسان عن مشروع سياسي يؤمن به، ولا مذمة في أن يشرح خيارات نظام اختاره، أو شارك في دعمه، أو وضعه في مواقع مسؤولية وقرار. بل إن الوفاء للمواقف يقتضي أحيانًا أن يتحمل المرء كلفة الدفاع عنها في وجه النقد، وأن يخوض سجال الأفكار بوضوح واحترام، لا أن يلوذ بالصمت كلما ارتفعت أصوات المعارضين.
والمعارضة، مهما اشتد خلافنا معها، تبقى جزءًا أصيلًا من الحياة الديمقراطية، ومن حقها أن تنتقد وتعارض وتشكك وتضغط. غير أن احترام هذا الحق لا يعني الانسحاب أمامه، ولا يقتضي ترك المجال العام بلا توازن. فكما أن للمعارضة حق الاعتراض، فللموالاة أيضًا حق التفسير والتوضيح والدفاع، بل واجب ذلك حين يتعلق الأمر بصورة الدولة، أو بعدالة السياسات، أو بسلامة النسيج الوطني.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي أغلبية حاكمة هو أن تكتفي بإدارة السلطة، وتترك إدارة المعنى لخصومها. لأن الناس لا يحاكمون الوقائع وحدها، بل يحاكمون أيضًا الطريقة التي تُروى بها الوقائع، واللغة التي تُقدَّم بها، والوجوه التي تتحدث باسمها.
ولعل ما فعلته النائب سعداني منت خيطور لم يكن مجرد مداخلة عابرة في جلسة برلمانية؛ بل كان تذكيرًا مهمًا بأن السياسة تحتاج، إلى جانب القرار، رجالًا ونساءً يملكون جرأة الدفاع عنه. وأن الأفكار التي لا تجد من يحملها بثقة إلى الناس، تذوي مهما كانت قوية، بينما تنتصر ــ أحيانًا ــ الأفكار الأقل وجاهة، فقط لأن أصحابها أحسنوا رفع أصواتهم بها.
سيدي ولد النمين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق