الأربعاء، 19 أغسطس 2026

حول مسألة المطالبة بتعديل المأموريات في الدستور الموريتاني

 




بعد تحليل النصوص الدستورية الواردة  في دستور ال 20 من يوليو 1991 ذات الصلة بالموضوع ، ولا سيما المواد 2 و28 و29 و99، وأخذا في الاعتبار كل ما يثار هذه الايام بشأن ضرورة تعديل الدستور بما يضمن تمكين رئيس الجمهورية من مأمورية جديدة ثالثة او رابعة أو حتى خامسة كما طالب البعض يهمني بصفتي أستاذا للقانون العام ومنه القانون الدستوري طبعا أن أبين الآتي :

أولًا: إن مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة مبدأ دستوري صريح في النظام الدستوري الموريتاني، وليس مجرد عرف سياسي أو اتفاق أخلاقي بين الفاعلين السياسيين.

ثانيًا: إن قاعدة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة تتمتع بحماية دستورية خاصة؛ لأن المادة 99 أدرجتها ضمن المبادئ التي لا يجوز الشروع في مراجعة تمسها.

ثالثًا: إن الحظر الوارد في المادة 99 ذو طبيعة موضوعية؛ فهو لا يكتفي بتشديد أغلبية التصويت، وإنما يمنع أصلًا الشروع في إجراءات مراجعة تستهدف المساس بالمبدأ المحمي.

رابعًا: إن البرلمان، رغم تمتعه بحق المبادرة بمراجعة الدستور، لا يملك صلاحية استعمال هذا الاختصاص في مجال حظرت المادة 99 الشروع فيه.

خامسًا: إن الاستفتاء الشعبي لا يستطيع، من حيث المبدأ، أن يصحح إجراءً حظر الدستور الشروع فيه؛ لأن الاستفتاء آلية دستورية لممارسة السيادة الشعبية وليس سلطة تأسيسية أصلية قائمة خارج الدستور.

سادسًا: إن إرادة الشعب تظل مصدر السلطات، لكن هذه الإرادة تمارس في النظام الدستوري القائم وفق الأشكال والحدود التي ارتضاها الدستور نفسه.

سابعًا: إن المادة 29 تضيف إلى الحماية الموضوعية التزامًا شخصيًا خاصًا على رئيس الجمهورية، إذ تلزمه بألا يتخذ أو يدعم، مباشرة أو غير مباشرة، أي مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها.

ثامنًا: لا يستطيع رئيس الجمهورية، من الناحية الدستورية، أن يتجاوز هذا الالتزام بالاحتجاج بأن القرار النهائي سيصدر عن الشعب؛ لأن الالتزام الوارد في اليمين يتعلق بالمبادرة والدعم، وليس فقط بنتيجة الاستفتاء.

تاسعًا: إن محاولة تعديل المادة 99 ذاتها بهدف إزالة الحماية المقررة لمبدأ التناوب والمأموريتين تثير إشكالًا دستوريًا جوهريًا؛ لأنها تعني استخدام سلطة المراجعة لإلغاء الحدود التي وضعها الدستور على هذه السلطة.

عاشرًا: يبقى من الناحية النظرية والفلسفية التمييز قائمًا بين مراجعة الدستور القائم وبين ممارسة سلطة تأسيسية أصلية تنشئ دستورًا جديدًا. غير أن هذه الأخيرة لا ينبغي الخلط بينها وبين تعديل دستوري عادي يستهدف التحايل على القيود الواردة في المادة 99.

الرأي النهائي

في ضوء الدستور الموريتاني النافذ، وبقراءة مواده في تكاملها، فإن الطريق الدستوري العادي للمراجعة لا يتيح إزالة قاعدة المأموريتين أو المساس بمبدأ التناوب الديمقراطي المحمي بالمادة 99.

ويتعزز هذا المنع بالنسبة إلى رئيس الجمهورية بصورة خاصة بسبب اليمين المنصوص عليها في المادة 29، التي لا تقتصر على التعهد بعدم السعي إلى مأمورية ثالثة، وإنما تمتد إلى عدم اتخاذ أو دعم أي مبادرة يمكن أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها.

وعليه، فإن المسألة في جوهرها ليست مسألة عدد الأصوات اللازمة لتمرير التعديل، وإنما مسألة الاختصاص الدستوري بإطلاق مسار التعديل أصلًا.

وهذا هو الفارق الجوهري بين:

الدستور الذي يسمح بالتعديل، والدستور الذي يحدد ما يجوز تعديله؛

وبين:

سيادة الشعب بوصفها أصل السلطة، وممارسة هذه السيادة داخل النظام الدستوري الذي ارتضاه الشعب؛

وبين:

السلطة التأسيسية الأصلية التي تنشئ دستورًا جديدًا، والسلطة التأسيسية المشتقة أو الفرعية كما يسميها البعض التي لا تملك إلا تعديل الدستور ضمن الحدود التي رسمها هو نفسه.

ومن ثم، فإن مبدأ المأموريتين في الحالة الموريتانية لا يمثل مجرد قيد على شخص رئيس الجمهورية، بل يمثل اختيارًا دستوريًا متعلقًا بطبيعة تداول السلطة ذاتها، وقد أحاطه المؤسس الدستوري بتحصين موضوعي في المادة 99 والتزام رئاسي خاص في المادة 29.

وعليه، فإن أي مبادرة ترمي إلى تمكين رئيس الجمهورية من مأمورية ثالثة عن طريق مراجعة الدستور القائم ستواجه، وفق القراءة الحرفية والمنهجية للنصوص النافذة، مانعًا دستوريًا سابقًا على مرحلة التصويت الشعبي، فضلًا عن القيد الخاص الذي تفرضه اليمين الدستورية على رئيس الجمهورية.

محمدو ولد محمد المختار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق