الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين بارئ الخلائق أجمعين وباعث الأنبياء والمرسلين. الحمد لله الذي هدانا للإسلام وجعلنا من أمة خير الأنام، وألف بين قلوبنا فأصبحنا بنعمته إخواناً. الحمد لله الذي جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف وجعل أكرمنا عنده أتقانا نحمده سبحانه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جمع القلوب بعد الشتات، وألف بين العباد بعد العداوة والخصومات. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله بعثه الله رحمة للعالمين فأبطل دعاوى الجاهلية وهدم صروح العصبية ونشر قيم العدل والمساواة، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون
عباد الله :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي العروة الوثقى، وبها تدفع البلايا وتستجلب النعم
أيها الإخوة المؤمنون إن أعظم نِعمةٍ أنعم الله بها علينا هي نعمة الإسلام؛ هذا الدين العظيم الذي انتشل البشرية من ظلمات الجاهلية والتمزق إلى أنوار الهداية والاجتماع
لقد جاء الإسلام ليرسخ قيم الوحدة والتراحم والتوادّ بين أبناء المجتمع الواحد وجعل الأخوة الإيمانية رابطة فوق كل الروابط
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يصور هذا التلاحم : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"
إننا ونحن على أعتاب افتتاح سنة دراسية جديدة يوم الإثنين المقبل، الخامس من أكتوبر 2026 نؤكد أن بناء عقول أجيالنا لا يستقيم إلا في ظل مجتمع آمن ومترابط يستشعر هذه النعمة وإن من مقتضيات نعمة الإسلام الحفاظ على الوحدة الوطنية والالتفاف حول كلمة السواء والابتعاد الكامل عن النعرات القبلية الجاهلية والنعرات الفئوية والشرائحية التي تمزق النسيج الاجتماعي وتفرق شمل الأمة
إن الإسلام قد أذاب الفوارق المصطنعة بين البشر؛ فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود ولا لنسب على نسب إلا بالتقوى والعمل الصالح. يقول الله تعالى في محكم كتابه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"
ولما تفاخر رجلان بآبائهما وأصولهما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، غضب صلوات ربي وسلامه عليه ونهى عن ذلك بشدة قائلاً: "دعوها فإنها منتنة" فالتعصب للقبيلة أو الفئة هو كالجيفة المنتنة التي تزكم النفوس وتفرق الصفوف إن القبلية العمياء والتراشق بالنعرات الفئوية والشرائحية هي معول هدم إذا دخلت إلى مؤسسة تعليمية أو وطن أفسدته والمدارس اليوم يجب أن تكون المحضن الأول لترسيخ الأخوة والتراحم يتعلم فيها أبناؤنا أنهم متساوون كأسناد المشط يجمعهم وطن واحد ودين واحد ومستقبل واحد
أيها المسلمون:
إن نجاح هذه السنة الدراسية وتحقيق تلاحمنا التربوي يواجه اليوم عوائق وعراقيل ملموسة على أرض الواقع، تضر بمسيرة أبنائنا التعليمية. وإن من تمام الأمانة والنصح للأمة أن نضع الأصبع على الجرح وننبه إلى تعطيل وعدم تفعيل مرسوم الشراكة لعام 2024 هذا القانون الذي جاء لينظم العلاقة والتعاون بين الإدارة التربوية ورابطات آباء التلاميذ لكنه للأسف في كثير من الأحيان ظل حبراً على ورق ولم يجد طريقه للتطبيق بالشكل المطلوب
هذا الغياب القانوني أدى في كثير من المحطات إلى تجميد دور الرابطات في المراقبة الميدانية داخل المدارس، وصار كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر، مما أنتج مشاكل واختلالات عميقة نراها يومياً، ومن أبرزها :
أولاً : تفشي ظاهرة الغياب والتسرب المدرسي: حيث يضيع التلاميذ ويتركون مقاعد الدراسة دون وجود آلية تنسيق مشتركة بين المدرسة والأسرة لضبطهم ومتابعتهم.
ثانياً : تدهور الصيانة البنيوية للمؤسسات: فبسبب غياب المتابعة المشتركة أصبحت الكثير من الفصول والمرافق تفتقر للصيانة والترميم، مما يؤثر سلباً على راحة التلاميذ وعطائهم
ثالثاً : غياب الانسجام الإداري والتربوي: والمتمثل في عدم احترام بعض مديري المدارس لرؤساء المكاتب والمكاتب المحلية للرابطات، والتعامل معهم بنوع من التهميش مما يخلق مناخاً من التوتر والجفاء.
ولكن، وإنصافاً للحق والواقع، فإن هذا التقصير ليس تعميماً على الإطلاق؛ بل إننا من فوق هذا المنبر نُثمن عالياً ونشيد بجهود ثلة مباركة من المديرين والقائمين على المؤسسات التعليمية الذين فتحوا أبوابهم وآمنوا بالشراكة الحقيقية مع رابطات الآباء ويسروا عملهم الميداني بكل إخلاص ومسؤولية إننا نشكرهم ونشد على أيديهم ونطالبهم بالمزيد من العطاء
وفي المقابل، ندعو بقية المديرين والمسؤولين التربويين إلى الاقتداء بهذه النماذج المضيئة وندعوهم إلى التعاون التام وفتح قنوات التنسيق مع المكاتب المحلية للرابطات فلنضع الخلافات جانباً من أجل مصلحة أبنائنا وبناتنا فهم ثروتنا الحقيقية وكل ما نملك في هذه الحياة وضياعهم ضياع للوطن والأمة
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن إصلاح التعليم ومستقبل الأجيال لا يتحقق بالشعارات، بل يفرض علينا تفعيل القوانين، وإحياء المراقبة الميدانية والترفع عن الخلافات الضيقة والعمل بروح الفريق الواحد والشراكة الحقيقية
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الأسماء الحسنى والصفات العلى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الشافع المشفع في الآخرة والأولى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن لآثاره اقتفى
أيها المسلمون عباد الله :
إن التعليم ليس مجرد وظيفة يؤديها المعلم في فصله أو معاملة ينجزها المدير في مكتبه أو ميزانية ترصدها الدولة بل التعليم مسؤولية دينية وأمانة عظمى يسألنا الله عنها جميعاً يوم القيامة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"
ونحن على بعد يومين فقط من قرع جرس السنة الدراسية الجديدة يوم الإثنين الخامس من أكتوبر 2026، فإننا مطالبون بترجمة قيم الإسلام العظيمة من تراحم وتعاون، وإخلاص إلى واقع ملموس داخل مدارسنا إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع دون استثناء :
• على الآباء والأمهات : أن يرافقوا أبناءهم بالدعاء والمتابعة وألا يرموا بهم إلى المدارس ويتخلوا عنهم، بل يراقبوهم في غيابهم وحضورهم
• على المعلمين والأساتذة : أن يستشعروا عظمة هذه المهنة الشريفة، وأن يكونوا آباءً ومربين قبل أن يكونوا ملقنين يبثون في الطلاب روح الوحدة والوطنية وينبذون بينهم التفرقة والجهالة.
• على الإدارة التربوية والروابط المحلية : أن يدشنوا هذا العام بصفحة جديدة من الاحترام المتبادل والتنسيق الدائم عازمين على تطبيق روح الشراكة والمراقبة الميدانية لإصلاح ما فسد، وصيانة ما تهدم.
عباد الله إن أبناءنا وبناتنا هم رأس مالنا، وهم غراس الغد وثمار المستقبل فإن أحسنا تربيتهم وتعليمهم في بيئة تسودها المودة والمسؤولية جنينا مجتمعاً قوياً مترابطاً وإن فرطنا فيهم وتنازعنا وتخاذلنا ضعنا وضاع المستقبل منا. فتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان
ثم اعلموا -رحمني الله وإياكم- أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه فقال عز وجل:
"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد كما صليت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
اللهم بارك لنا في عامنا الدراسي الجديد واجعله عام فتح وتوفيق ونجاح لأبنائنا وبناتنا
اللهم احفظ أولادنا من التسرب والضياع واجعلهم قرة عين لآبائهم، وذخراً لأوطانهم وأمتهم
اللهم ألّف بين قلوبنا واجمع شملنا، واطرح بيننا التراحم والتواد واجعلنا يداً واحدة متماسكة واحمِ بلادنا من النعرات القبلية، والعصبيات الجاهلية والفئات الضيقة، واجعلنا إخواناً متحابين في جلالك
اللهم وفق القائمين على تعليمنا من مديرين ومعلمين ورابطات آباء لما تحبه وترضاه، وارزقهم الإخلاص والتعاون التام لما فيه مصلحة أجيالنا
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
عباد الله: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق