السبت، 5 سبتمبر 2026

عظماءخلدهم التاريخ حمود ولد أحمدو

 




لم يكن شخصاً عادياً، بل كان عنواناً لمرحلة حساسة من تاريخ البلد، وقائدا لجيل اتسم برفض الظلم والوضوح في الموقف، وأصر علي الاستقلالية في القرار لأكثر من أربعة عقود، مؤمنا بذاته ومحيطه ورفاقه، مدركا قيمة أصوات الناخبين الذين زكوه في انتخابات تنافسية وصفت بالشفافة. فرفض التفريط فيها مهما كانت التكلفة، وأصر علي البقاء ضمن نظام ديمقراطي أو مغادرة الحكم وأشكال نظمه الصورية.

حمود ولد أحمدو ولد محمد محمود ولد امحيميد القادم من دهاليز الإمارة في أبهى معانيها و أحد رواد الجيل المؤسس للدولة الموريتانية، و المنافحين عن حرية التعبير والرأي فيها،مهما كان موقع الشخص من السلطة الحاكمة أو موقفه منها، فكانت تصرفاته مزيجا من الوعي بالذات بعد معايشة لأبرز النظم الديمقراطية في العالم، والإحساس بثقل التاريخ الذي يحمل على أكتافه، وهو المولود في إمارة مشظوف، بين يدي رمزها الأبرز، والده أحمدو ولد محمد محمود ولد لدامحيميد.

ولد حمود سنة 1924، و دخل المدرسة التي خصصها الاستعمار الفرنسي لأبناء الشيوخ سنة 1934 بمدينة تمبدغه، التي عاش فيها ودفن.

دخل المجال السياسي مبكراً،  وهو أمر متوقع بفعل المحيط الاجتماعي الذي ولد فيه، والثقافة العصرية التي اكتسبها من سنواته المحدودة داخل المدرسة الفرنسية، فكان أبرز المرشحين لعضوية المجلس الإقليمي وهو في الثامنة و الثلاثين من عمره، وهو الترشح الذي كلله بنجاح ، ليتوجه إلي "سان لويس" حيث كانت بداية مشوار آخر مع الرعيل الأول الذي قاد أول حكومة بموريتانيا، ونافح من أجل توطيد أركان الدولة الحديثة.

نشط ابن الإمارة في الحزب التقدمي، قبل أن يحتل مكانة متقدمة في صفوف حزب التجمع الذي ورثه، وكان عضوا بالحكومة الأولي 1958 ليصبح بذلك أول وزير في تاريخ مدينة تمبدغة، بعد اسناد حقيبة الصحة إليه اثر مغادرة محمد المختار ولد أباه و الدي ولد سيدي بابه المفاجئة إلي المغرب.

عاد حمود بعد ذلك إلي قواعده الشعبية مرة أخري مقدما نفسه لمنصب نائب عن مقاطعة تمبدغه سنة 1959 وهو ما ناله بالفعل بعد أن أختاره الناخبون إلي جانب ابن عمه الشيخ محمد الأمين ولد سيد امحمد ولد امحيميد لتمثيل المقاطعة.

شكلت سنة 1960 بداية التوتر في العلاقة بين النائب البرلماني حمود ولد أحمدو وأبرز رفاقه، بعد أن قرر الرئيس الراحل المختار ولد داداه عليه رحمة الله تعديل الدستور لتغيير الصبغة السياسية للنظام الجديد، وتحولت موريتانيا من نظام برلماني محض إلي نظام رئاسي تتعزز فيه قبضة الرئيس علي السلطة والحياة السياسية عامة، خصوصا بعد الدفع بقانون الحزب الواحد، ومصادرة كافة الأحزاب السياسية التي كانت قائمة قبل الاستقلال أو في السنة الأولي له.

 لم يستوعب رئيس الجمعية الوطنية سيدي المختار ولد يحي أنجاي الخطوة، أو لم يستطع التكيف معها، فقرر الاستقالة في مارس 1961 تاركا المجال أمام القوي الرافضة لموقف الرئيس من أجل تدبير أمورها السياسية، وبحث آليات العمل المتاحة من أجل مقاومة النزعة الجديدة لدي بعض دوائر السلطة، وهي نزعة كانت طاغية في الجوار الإفريقي عموما.

قرر رموز الحراك المقاوم أو أبناء النخبة التقليدية ترشيح حمود ولد أحمدو لقيادة الجمعية الوطنية، مدعوما من طرف تحالف قوي بقيادة سليمان ولد الشيخ سيديا، وشيخنا ولد محمد لغظف.

رفض البرلمان بعض القرارات الأحادية للرئيس، وتطورت الأمور إلي عصيان برلماني قاده حمود ولد أحمدو ورفاقه داخل الجمعية الوطنية، وأسند من داخل الحكومة الموريتانية، قبل أن يقرر الرئيس الراحل المختار ولد داداه محاصرة الجمعية الوطنية بقوات من الدرك لفرض استقالة النواب أو العدول عن مناهضة الحزب الحاكم الذي بات المظلة السياسية الوحيدة في البلاد، بعد قبول بوياكي ولد عابدين وأحمد باب ولد أحمد مسكه بحل النهضة والدخول في حزب الشعب والحكومة بعد مسيرة طويلة من التفاوض وراء أسوار السجن بولاية تكانت.

هكذا تصرف حمود ولد أحمدو في مواجهة السلطة، ونقل كلماته القوية التي سجلها في خطاب أمام النواب المجتمعين في الجمعية الوطنية تحت حراب القوات المسلحة، بعد إصرارهم علي رفض الخنوع للنظام السياسي أو القبول بسياسة الحزب الواحد.

في الرابع عشر من نوفمبر 1963 جمع رئيس الجمعية الوطنية حمود ولد أحمدو رفاقه، وألقى خطابه الشهير الذي يقول فيه "إنكم وحدكم الممثلون لسيادة الشعب حينما لايتم التعبير عنها مباشرة، إنني لست خصما للأحزاب السياسية،لكني فضلت دائما أن تكون اختصاصات البرلمان والحكومة ذات طبيعة متميزة عن الأحزاب السياسية،فالحزب لايمكنه البقاء في البلد إلا إذا احترم القواعد الديمقراطية التي تغذي مؤسساتنا،وكان مقادا من طرف أشخاص منتخبين شرعيا،وكان محترما للحقائق الجغرافية والاجتماعية والاثنية التي تشكل مجتمعنا".

حقائق يبدو أن النظام القائم قرر ضرب الحائط بها، فقرر حمود الاستقالة علنا، مما أغضب الرئيس وبعض كبار مساعديه، وفك العلاقة التي نسجها الرجلان علي مدى أكثر من خمسة عشر سنة من العمل، وثلاث سنوات من الكدح لتوطيد أركان الدولة الوليدة.

كانت استقالة حمود بمثابة الزلزال السياسي الذي هز الحكومة والبرلمان، ودفع إلي تعديل وزاري وانتخابات جديدة، مع محاولة لتجديد جزئي بالحزب الحاكم بغية تصفية العناصر المحسوبة عليه، وهو ما سقط في أول اختيار حينما قررت أغلب القوى الناخبة بالحوض الشرقي إعادة جناحه السياسي إلي الحزب بقوة الصندوق، مما أثار الرئيس ودفعه إلي إلغاء نتيجة الانتخاب لاحقا.

كان ارتداد القرار مدوية، لقد قرر الزعيم التاريخي لحزب النهضة بوياكي ولد عابدين الاستقالة من الحكومة، ومعه غادر الدي ولد ابراهيم هو الآخر،وبدت صورة المشهد الداخلي مرتبكة بفعل انشطار النواة المؤسسة للدولة الموريتانية ولما تكمل عامها الرابع.

قرر ابن الإماراة، وأحد رموز الدولة العميقة، وأشهر المؤسسين بعد المختار عليه رحمة الله التحول من عمق السلطة إلي واجهة المعارضة السياسية غير الحركية، رافضا التقارب مع النظام الذي اعتبره مسؤولا عن تقويض الحريات العامة، والدفع بالبلاد نحو أتون حرب مدمرة هي حرب الصحراء.

ومع اشتداد الأزمة السياسية قرر الرجل بالتحالف مع آخرين مساندة الضباط الذين انهوا حكم الرئيس الراحل المختار ولد داداه في انقلاب عسكري يحظى بمباركة شعبية، ودعم سياسي كبير.

لم يعد حمود للسلطة لكنه ظل على علاقة بأركانها، مكتفيا بمكانته السياسية والاجتماعية والحظوة التي يمتاز بها عن بقية أقرانه لدى مجمل الضباط الذين شاركوا في انقلاب العاشر من يوليو.

 مع انقلاب 1994 ظهرت خلافات قوية بين حمود ولد أحمدو ومعاوية ولد الطايع، إذ رأى الأول في نظام الأخير نكسة للقيم السياسية وإفسادا لأخلاق المجتمع، وسعى الأخير لتهميش الرجل لدرجة الإقصاء السياسي من الحياة الحزبية، مستعينا بأطراف داخلية لتمرير مخططه.

ظل حمود وفياً لأفكاره لأكثر من 20 سنة إلى أن سقط حكم العقيد معاوية ولد الطايع وهو له من المعارضين، وفي السادس من ابريل 2009 فارق الحياة رحمه الله بنواكشوط بعد عمر حافل بالعطاء والتضحية والصبر، معطيا نموذجا نادرا في الوضوح في الرؤية والجرأة في اتخاذ المواقف والتعبير عما يدور بنفسه دن رتوش ، ودفن في مدينة تمبدغة بمقبرة أعرام .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق