الجمعة، 29 مايو 2026

إهمال تكوين المستشارين التربويين… ثغرة خطيرة في إصلاح التعليم

 


في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لإصلاح أنظمتها التعليمية وتطوير كفاءة الفاعلين التربويين، لا يزال ملف تكوين المستشارين التربويين يعيش حالة من التهميش والإهمال داخل وزارة التربية، رغم أن هذه الفئة تُعد من أهم ركائز المدرسة الحديثة، وأكثرها ارتباطًا بجودة التأطير والمتابعة والتوجيه داخل المؤسسات التعليمية.

إن المستشار التربوي ليس موظفًا إداريًا عابرًا، بل هو عنصر أساسي في بناء العملية التعليمية، إذ يساهم في متابعة الأداء التربوي، ومرافقة المعلمين، وتوجيه التلاميذ، والمشاركة في حل المشكلات التربوية والنفسية والسلوكية داخل المدارس. ولهذا فإن أي ضعف في تكوينه ينعكس مباشرة على جودة التعليم، وعلى استقرار المؤسسة التربوية ككل.

ورغم الحديث المتكرر عن إصلاح التعليم وتطوير المناهج، فإن الواقع يكشف أن وزارة التربية لم تمنح تكوين المستشارين التربويين المكانة التي يستحقها. وقد أشارت عدة تقارير ودراسات تربوية إلى أن نجاح المنظومة التعليمية مرتبط بتأهيل الكوادر المشرفة والمؤطرة، وليس فقط بالمناهج والبرامج.

وإذا كانت بعض الورشات التكوينية تُنظم بين الحين والآخر، فإنها تبقى غير كافية أمام حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المستشارين. ففي موريتانيا مثلًا، نظمت وزارة التهذيب الوطني دورات تكوينية لصالح المستشارين التربويين بهدف تحسين التأطير والمتابعة داخل المدارس، وهو اعتراف ضمني بأهمية هذا الدور الحيوي.  لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية استراتيجية دائمة للتكوين المستمر، تجعل المستشار قادرًا على مواكبة التطورات التربوية والنفسية والتكنولوجية.

إن إهمال تكوين المستشارين التربويين لا يؤثر فقط على الموظف نفسه، بل يخلق فجوة داخل المنظومة التعليمية بأكملها. فكيف يمكن لمستشار غير مؤهل بالشكل الكافي أن يواكب مشاكل التلاميذ النفسية والاجتماعية؟ وكيف يستطيع تأطير المعلمين أو المساهمة في تحسين الأداء التربوي وهو لم يتلقَّ تدريبًا عصريًا ومتخصصًا؟

لقد أثبتت التجارب التربوية الناجحة أن الاستثمار في التكوين المستمر هو الطريق الحقيقي لإصلاح التعليم. فالدول التي حققت نهضة تعليمية لم تركز فقط على البنية التحتية أو المناهج، بل جعلت من تكوين الموارد البشرية أولوية وطنية. كما أن العديد من الأنظمة التعليمية الحديثة تخصص برامج دقيقة لتكوين المستشارين في مجالات التوجيه النفسي، والإدارة التربوية، والتواصل، وتقنيات التقويم، واستخدام التكنولوجيا الحديثة في المتابعة والتأطير.

ومن المؤسف أن المستشار التربوي في كثير من الأحيان يُطالب بمهام كبيرة دون توفير أدوات النجاح له. وهذا يخلق شعورًا بالإحباط والتهميش لدى هذه الفئة، ويؤدي إلى ضعف المردودية داخل المؤسسات التعليمية. كما أن غياب التكوين الجاد يفتح الباب أمام الارتجال والعشوائية في معالجة القضايا التربوية الحساسة.

إن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بالشعارات والخطط النظرية فقط، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية تبدأ من تكوين الإنسان الذي يدير العملية التربوية ويؤطرها. ومن هنا، فإن وزارة التربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بوضع سياسة واضحة وعادلة لتكوين المستشارين التربويين، تقوم على الاستمرارية، والتخصص، والعدالة في الفرص، وربط التكوين بحاجات الميدان الفعلية.

فالمستشار التربوي ليس هامشًا في المدرسة، بل هو عقلها التنظيمي والتوجيهي، وأي إهمال لتكوينه هو في الحقيقة إهمال لمستقبل التعليم نفسه.

شيخنا ولد الناتي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق