الخميس، 18 أكتوبر 2018

مقتل خاشقجي.. الأهداف والتداعيات



يعيش العالم هذه الأيام حادثة شغلت الرأي العام وأثرت على مؤتمرات دولية وبدأت تضع معالم جديدة للعلاقة الإقليمية لدول في المنطقة، وذلك لبشاعتها وسوء تقدير أصحابها.

إنه ليس أسلوبا جديدا، فهي عملية تقليدية عند حكام المنطقة، لكن التعقيدات الدولية صنعت من مقتل خاشجقي زخما وتعاطفا يذكر بمقتل سعيد بن جبير من طرف الحجاج الذي لم يقتل أحدا بعده، مع أنه وإن كان المقتول هذه المرة يختلف عن سعيد رحمه الله في المكانة العلمية فهو يوازيه في صنع رأي عام ضد طاغية (محمد بن سلمان) وهو لا يختلف عن الحجاج بن يوسف في الفكر والممارسة، مع اختلافه عنه في مستوى الفتوحات ، وذلك لأنها ليست في دائرة اهتمام هذا الأخير وليس واردا السؤال عن حكمها في دين الشعب أي الحادثة، {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما} و"لا يزال المؤمن في فسحة من أمره ما لم يصب دما حراما" والحادثة كغيرها من الممارسات التي فعلها الأمير كحصار قطر في ظهر رمضان وقتل وتشريد الآلاف في اليمن والخروج على الحاكم في مصر (محمد مرسي) وقتل وسجن الآلاف، ولا تختلف كثيرا عن طعن الشعب في الظهر في سوريا والسنة في العراق وتصنيف حركة حماس حركة إرهابية لا يجوز الدعاء لها بالنصر على اليهود وتصنيف اتحاد العلماء تنظيما إرهابيا بما فيها العلامة الشيخ محمد الحسن الددو رئيس مركز تكوين العلماء، وسجن العلامة سلمان بن فهد العودة، ومن أنكر على الأمير من رفاق العودة وذلك لأمر بسيط لأن ولي العهد لا يهتم بتأصيل ممارساته أصلا، لكن هذه الحادثة ممنوعة في دين المجتمع الدولي الذي يملك أمر الأمير.
دين المجتمع الدولي (الإنسانية) هو دين تشدقت به دول وعقدت له اتفاقيات برزت لها منظمات متخصصة، ومن هذا الباب، أي باب الإنسانية وجدت جريمة قتل خاشقجي طريقها لتفرض على الأمير ثمنا أكبر مما كان يتوقع مقابل هدفه الذي هو إسكات صوت معارض وأن يشرد به من خلفه ويرعب به آخرين من دونهم لاسيما في ظل تنامي ظاهرة المعارضة في المملكة، ويلاحظ منذ تولي هذا الأمير وإطلاق إصلاحاته المزعومة بروز منظمات حقوقية عديدة وشخصيات سياسية وإعلامية بما فيها أفراد من الأسرة الحاكمة انخرطت في الفعل المعارض وبقوة.
لكن التداعيات فاقت الحسابات وعلى رأسها إحالة شاب في زهرة شبابه وذروة عطائه إلى التقاعد ولا تسأل عن كم سيدفع من المال والمواقف للخروج من المأزق. فالمملكة كانت غارقة في الخصومات منذ وصول الأمير وما قبله بقليل، ولذا أول ما ستبادر بدفعه هو جبايات اترامب التي طالب بها مرارا وبشكل صريح ولن يكتفي بذلك، فأمريكا اترامب لا تنظر إلى المملكة كشريك بل تنظر إليها كمحصل، وتركيا التي تمسك بتلابيب الأمير هذه الأيام لن تكون أقل مكاسب من غيرها، ويساعدها هذه المرة أن خاشقجي ذهب بقدميه طواعية غير مكره إلى قنصلية بلاده فقتلته، وليست ملزمة أخلاقيا بأكثر من تحقيق جاد وشفاف يكشف الحقيقة للمجتمع الدولي إن شاء حاسب الجناة وإن شاء تركهم.
لكن الذي لا مراء فيه هو أن المملكة ستكفر عن المساعي التي بذلت لإسقاط الحكم في تركيا بانقلاب كان دمويا ومرة أخرى بدعم مرشحي المعارضة ماديا، دون أن تنسى حليفتها قطر التي ضيق عليها الخناق ظلما فكانت تركيا وجهتها المفضلة. ومن عقر دارها يُطهى النظام السعودي على بركان الجزيرة. فالسعودية تحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى، وستنحني المملكة أمام الإخوان المسلمين مكرهة هذه المرة، فالإخوان قوة إعلامية وثقافية وسياسية وتمسك بأوراق مهمة، فالتهدئة معها لا مناص منها في بحر المشاكل التي تسبح فيها المملكة بعد مقتل خاشقجي، وستجد المملكة نفسها عاجزة عن تحمل أعباء الحرب في اليمن أخلاقيا وماليا في ظل مطاردتها من طرف الإبادات التي تمارسها في اليمن منذ أعوام خلت والتخلص منها مكلف، وسوف تشارك المملكة تركيا في قضايا إقليمية عائدة إلى امتدادها الإقليمي وتتحمل جزءا من فاتورتها ومن بينها سوريا عن طريق العمل الخيري والوقوف مع الجيش التركي، وبضعف المملكة المتوقع تكون الثورة المضادة في أضعف فتراتها وستشهد تراجعا ملحوظا، {وتلك الأيام نداولها بين الناس}.
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم ترجع عقباهُ إلى الندم

 الأستاذ/ الشيخ ولد بيبه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق