الاثنين، 14 سبتمبر 2026

كرامة المحراب بين التشريع والواقع

 



▪︎ مفارقة الرعاية المادية والقانونية للأئمة بين الجزائر وموريتانيا

          تقرير 

تشهد الساحة الدينية في المغرب العربي تبايناً عميقاً في طريقة تعاطي الأنظمة السياسية مع بناة الوعي الروحي والفكري وهم الأئمة والخطباء. وفي الوقت الذي قطعت فيه الدولة الجزائرية أشواطاً تشريعية وتنفيذية متقدمة للإنتقال بالإمام من خانة "المتطوع الفقهي" إلى "الموظف السيادي المحصن" لا يزال نظراؤهم في الجمهورية الإسلامية الموريتانية يخوضون نضالاً ناعماً ومستمراً لإنتزاع أدنى مقومات الإستقرار المالي والقانوني

النموذج الجزائري

 مأسسة شاملة وحماية صارمة

▪︎ تتجسد رعاية الدولة الجزائرية للأئمة في حزمة متكاملة من القوانين والإمتيازات المادية والإجتماعية التي تهدف إلى صون كرامة الإمام المعنوية والمادية ودمجه رسمياً كعنصر فاعل في قوام الإستقرار الوطني

فعلى الصعيد المالي

يرتكز النظام التعويضي الجديد للأئمة في الجزائر على شبكة منح شهرية معتبرة تشمل:

منحة تعويض الإلزام والإستعداد الدائم: بنسبة 30% من الراتب الرئيسي

تعويض نشاطات التدريس

 بنسبة 40% من الراتب الرئيسي فضلاً عن علاوات المردودية والتوثيق

  ولم تتوقف الرعاية عند الأجور بل امتدت لتأمين الحياة الإجتماعية للإمام عبر توفير السكنات الوظيفية حيث تلتزم الدولة بإعطاء الأولوية القصوى للأئمة في الحصول على سكن مستقر ملاصق للمسجد أو ضمن المشاريع السكنية الجديدة لتسهيل أداء مهامهم اليومية

أما من الناحية القانونية فقد فرضت الجزائر حماية قانونية صارمة تجرم أي إعتداء جسدي أو لفظي على الإمام أثناء ممارسة مهامه وتمنع بقوة القانون أي محاولة للتدخل في صلاحياته الشرعية والإدارية داخل المسجد 

وتتوج هذه الحزمة بإدراج الأئمة رسمياً في سلك الوظيفة العمومية لضمان حقوقهم التقاعدية مع ترسيم يوم 15 سبتمبر من كل عام "يوماً وطنياً للإمام" إحتفاءً بمكانتهم التاريخية والمجتمعية

■ المفارقة الصارخة:

 واقع الأئمة في موريتانياعلى الجانب الآخر من الحدود

 تظهر المفارقة واضحة عند تأمل واقع الأئمة وشيوخ المحاظر في موريتانيا فرغم أن موريتانيا تُعرف بـ

 "بلد المليون شاعر" وبلد العلم والعلماء إلا أن الحقل الديني في موريتانيا يعاني من فجوات هيكلية ومادية حادة تنعكس سلباً على معيشة القائمين عليه من راتب موظف إلى "إعانة رمزية"

 يكمن الخلاف الجوهري في التصنيف القانوني

 فبينما يُصنف الإمام الجزائري كموظف عمومي ثابت

 تصنف وزارة الشؤون الإسلامية الموريتانية المبالغ الممنوحة للأئمة على أنها "إعانات رمزية" لا ترقى لمرتبة الراتب المستقر وتتراوح هذه الإعانات الشهرية للأئمة المكتتبين حول 5000 أوقية جديدة (ما يعادل قرابة 125 دولاراً أمريكياً) يقتطع منها التأمين الصحي في حين يعيش آلاف الأئمة غير المكتتبين على التبرعات والجهود الذاتية

 ■ الحرمان من الزيادات الرسمية:

 تندد النقابات المستقلة للأئمة في موريتانيا بإستمرار إستثنائهم الممنهج من أي زيادات عامة تقرها الدولة في الرواتب كالتي تستهدف قطاعات التعليم والصحة مما يضعف قدرتهم الشرائية في مواجهة تقلبات التضخم

غياب الحصانة المهنية والخدمية بخلاف الميزة الجزائرية في مجانية السكن والحماية الجنائية تطالب النقابات الموريتانية  بأمور تعد بديهية  مثل إصدار بطاقات بيومترية إعتبارية للأئمة وتحمل الدولة لفواتير الماء والكهرباء المتراكمة عن المساجد والمحاظر وإيجاد صيغ قانونية تكفل لهم سلفات بنكية أو حقوقاً تقاعديةواضحة

■ المحراب كركيزة للأمن القومي 

تثبت لغة الأرقام والمقارنات أن الجزائر تعاملت مع ملف الأئمة برؤية إستراتيجية تعتبر المسجد صمام أمان للأمن القومي والفكري وهو ما تطلب توفير شبكة أمان مالي وإجتماعي تفرغ الإمام لرسالته النبيلة

وفي المقابل يضع هذا التباين الحكومات المتعاقبة في انواكشوط أمام حتمية مراجعة "المقترحات النقابية" المودعة على طاولات الحكومة الموريتانية من منطق المنح والمساعدات الظرفية إلى مأسسة قطاع الشؤون الإسلامية أسوة بالنموذج الجزائري تماشياً مع المكانة التاريخية والروحية الهائلة التي يحظى بها الإمام في وجدان الشعب الموريتاني 

بقلم: احمدسالم ول أعل ول اعمر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق