الخميس، 24 أغسطس 2017

شهادة حق



(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا )،(صدق الله العظيم ).

بقلوب منكسرة و عيون دامعة و أرواح مؤمنة بأن لكل أجل كتابا ، مستسلمة لقضاء الله و قدره ، ودعت الأمة الموريتانية بمختلف رموزها الرئيس المختار ولد داداه أبا الأمة غير منازع. و بتشييعها إياه إلى مثواه الأخير طويت صفحة مجيدة من تاريخنا الوطني تحتاج أجيال ما بعد الخمسينيات إلى إعادة قراءتها و الاستيحاء مما اكتنفها من عقبات و من إرادة و مصابرة و إيمان ، إنها صفحة الولادة الصعبة و النشوء المعاند و زرع عوامل البقاء.
قبل الاستعمار الفرنسي لم تكن موريتانيا دولة بل كانت شعوبا و عشائر متنافرة متناحرة و عندما جاء الاستعمار الفرنسي على مشارف القرن العشرين لم يفكر يوما بأن يجعل منها دولة في المستقبل ، بل كان همه تأمين المنطقة الصحراوية الفاصلة أو الواصلة بين مستعمراته جنوب الصحراء و شمالها.
و قد أدى هذا الاهتمام الأمني الصرف إلى عدم استثمار أي شيء يمكن أن تقوم عليه دولة في المستقبل ، لذلك لم يترك أي بنى تحتية أساسية فلا طرق و لا مطارات و لا مدارس باستثناء بضع مدارس ابتدائية و مدرسة متوسطة واحدة و عدد قليل من المراكز الصحية البدائية ، و الأخطر من ذلك أنه طبق شعار ( فرق تسد ) حتى لا يمكن أن يوجد توجه موحد يقوم عليه كيان في المستقبل.
و لئن كان الجانب المعماري غائبا طيلة ستين سنة من الاحتلال فإن الموارد البشرية كانت شبه معدومة حيث اقتصر المستعمر على تكوين ثلة محدودة من أُطر صغيرة و متوسطة تساعده على التواصل مع السكان.
و خلال السنوات الثلاث التي سبقت الاستقلال مباشرة كان الكثير من الناس يشكك في إمكان قيام دولة مستقلة قابلة للبقاء ، بل كان هنالك من ينزع إلى الانضمام للملكة المغربية التي كانت تطالب حينئذ بموريتانيا ، في ما كان البعض يرنو إلى الجنوب معتقدا أن الدخول في فدرالية مالي و السنغال (السودان الفرنسي ) هو الأصوب. حتى أنه وجدت أصوات تنادي بعدم ذهاب الفرنسيين و تخليهم عن البلاد خوفا من الفوضى و التسيب.
و في خضم هذه المصاعب العاتية و فوق رمال الصحراء القاحلة المتحركة كانت إقامة الجمهورية الإسلامية الموريتانية تحديا و مخاطرة تصدى لهما الأستاذ المختار ولد داداه رحمه الله بكل عزم و ثبات.
فأول ما واجهه هو إقامة عاصمة على شاطئ المحيط في بيداء تتجاوب في جنباتها أصوات الرياح مع عواء الذئاب و بنات آوى ، فانواكشوط التي نشاهدها الْيَوْمَ بعماراتها و قصورها و شوارعها المزدحمة و أسواقها الغنية كانت حلما تحول إلى معجزة. فقد وضع الرئيس المختار حجرها الأساسي يوم 5 مارس 1958 إذ البلاد قبل إنشائها كانت تدار من مدينة سنلوي بالسنغال.
و التحدي الثاني الأكبر كان تثبيت دعائم الوحدة الوطنية. و إقناع جميع شرائح السكان بضرورة الانسجام في هذا الكيان الوليد ،حيث بدأ يعمل على الحد من غلواء النعرات القبلية و الخصوصيات العرقية و الطبقية المتوارثة منذ القدم.
و كان التحدي الثالث يتجلى في مقاومة الأطماع الخارجية و هيمنة المستعمر و تثبيت الشخصية الموريتانية بين عالم عربي تنكر لها في البداية و أوصد أمامها أبوابه ، و عالم إفريقي أراد أن يضمها أكثر مما يجب.
لقد سار المختار بسفينة البلاد في محيط متلاطم الأمواج و مشى فوق الأشواك بدون موارد مادية و لا بشرية تذكر ، لكن مسيرته نمت بهدوء و ثبات يدفعها الإيمان و تقودها الإرادة متحملا الأمانة مؤديا الرسالة على أكمل الوجوه.
و ماهي إلا سنوات قليلة حتى اقتنع المواطنون بدولتهم الجديدة و التي أخذت تحتل مكانتها المرموقة بين الدول و انخرطت في سلك الدول الأكثر نضالية في قضايا العالم الثالث و كان حضورها في المحافل الدولية و صوتها و شبكة علاقاتها أكبر بكثير من حجمها و إمكاناتها المادية.
لقد تميز فقيدنا الغالي بالإباء و عزة النفس و النفور من كل ما يسيئ إلى الكرامة الوطنية ، فقد ألغى زيارة كان قد دعاه للقيام بها رئيس الاتحاد السوفيتي عندما علم أن الرئيس بريجنيف لن يكون في استقباله في المطار لأنه لم يكن ليقبل طريقة التعامل بين الكبار و الصغار في ذلك الوقت.
كما كان نظيفا في تعامله مع المال العمومي فلم يخطر الإثراء له على بال و كانت مخصصاته الشهرية لا تكاد تتجاوز رواتب وزرائه إلا بقليل و كانت هذه الرواتب متواضعة جدا بحيث لا تبلغ خمسين في المائة من راتب مدير إحدى شركات الدولة في ذلك الوقت ، كما لم يملك طيلة عقدين من الزمان سوى بيت واحد قام بإعارته للدولة طيلة مدة بقائه في الحكم ، كما لم يكن يتحمل أية شبهة تحيط بأعوانه و مقربيه فيما يتعلق بالنزاهة و الشفافية في تسيير الأموال العمومية إلى حد أنه كان يؤخذ عليه الإفراط في المساءلة عن أمور بسيطة جدا و كان يقول دائما إن السلطة شيء و المال شيء آخر و على المسؤول الاختيار بينهما.
لقد كان متواضعا من غير ابتذال في تعامله مع الناس لين الجانب بشوشا و دودا صارما عندما يتعلق الأمر بالمبادئ و الثوابت و المصلحة العليا للوطن ، و على العكس مما قد ينطبع في الأذهان من متعلقات مركزية القرار و نظام الحزب الواحد الذي كان سائدا يومئذ في أكثر البلدان حديثة العهد بالاستقلال كما كان وسيلة لترسيخ ثقافة الوحدة بين المواطنين ، فقد كان بعيدا من الاستبداد منفتحا على الآراء المغايرة كثير الاستماع إلى النصائح متقبلا للنقد البناء ، إذ كانت القضايا تطرح للمداولة سواء في الحكومة أو على مستويات الهيئات الحزبية و تشبع نقاشا ثم يتخذ هو القرار حسب ما رأى أنه توجه الأغلبية ، و أحيانا قد يعطي الانطباع بتبني فكرة بل و التحمس لها و لكنه لا يتشبث بها إذا آنس من الحاضرين صدوفا عنها أو عدم استصواب لها.
لقد كان بالحق قائدا شجاعا أمينا بعيد النظر دمث الأخلاق قوي الإرادة صبورا واثقا من نفسه و من قدرة شعبه على رفع التحديات و ما أكثرها و أصعبها.
إن الأرض التي وارت جثمانه بالأمس بحنو و حنان هي تلك الأرض التي وهبها شبابه و عصارة عقله و ثمرة جهده فاستحق عليها أن ترفعه إلى مصاف الخالدين.
لست أدري إلى من أتقدم بالتعازي و المواساة ؟ إلى أبنائه و أقربائه ؟ فكل الموريتانيين أبناؤه و أقاربه ، أم إلى الوطن العربي الذي حمل قضاياه و مشاغله بين ضلوعه حتى في عهد الجفاء و سوء الفهم فكان له أنجع سفير في إفريقيا جنوب الصحراء ؟ أم إلى إفريقيا التي كان من أساطين وحدتها و المدافعين عن قضايا التحرر فيها و العاملين على القضاء على التفرقة العنصرية في جنوبها و التي أقنع العرب بأهمية التعاون و التضامن معها ؟
تغمدك الله يا أبا الأمة بواسع رحمتك و أسكنك أعلى الدرجات من جنته مع المجاهدين الصابرين المؤمنين الأمناء إنه سميع مجيب.

 سيداحمد ولد الدي وزير و سفير سابق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق