الجمعة، 6 سبتمبر 2019

حقيقة الحرب التجارية الأمريكية الصينية


رغم مرور أيام على  انقضاء شهر رمضان الكريم  مازالت بركات وأفراح عيد الفطر المبارك تخيم على المسلمين في جميع أرجاء المعمورة، و يطيب لي في هذا المقام أن أتقدم نيابة عن سفارة جمهورية الصين الشعبية بأحرّ التهانئ وأجمل التحيات وأطيب التمنيات  إلى الشعب الموريتاني الصديق.
إن رمضان بالنسبة لأصدقائنا المسلمين هو شهر كبح الشهوات، وترويض النفس،  وصقل الروح ،والارتقاء الذاتي الذي يساعد على التأقلم مع الظروف الخارجية الصعبة ومواجهة التحديات الكامنة ، هذا النوع من الارتقاء في مدارج الكمال لم  يجعلني أكن الاحترام العميق للأمتين العربية والإسلامية فحسب، بل ألهمني أيضًا النظر من زاوية أخرى إلى الحرب التجارية المتصاعدة في الآونة الأخيرة  بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. الحرب التي هي بمثابة إختبار لمدى إستجابة الحكومة الصينية، والشعب الصيني، و الشركات الصينية   لمواجهة التحديات الخارجية المفاجئة.
فمنذ تولي الإدارة الأمريكية الحالية الحكم وهي ترفع شعار&أمريكا أولا&،  و تتخذ من العجز في الميزان التجاري، وحقوق الملكية الفكرية، والأمن القومي الأمريكي كذريعة واهية لإثارة الاحتكاكات التجارية مع الصين وشركاتها، وقد أظهرت أمريكا تناقضا ً صارخا بين أقوالها وأفعالها مرارا وتكرارا،  و ما فتئت تُمارس ضغوطاً متزايدة على الجانب الصيني  بل إن أمريكا  لم تنتظر نتيجة المفاوضات التجارية الثنائية وكانت المبادرة إلى رفع الرسوم الجمركية من 10% إلى 25 % على واردات صينية بقيمة 200 مليار دولار، وقبل أيام قامت بالإعداد لفرض رسوم على سلع صينية إضافية بقيمة 300 مليار دولار مشعلة بذلك شرارة أكبر حرب تجارية في تاريخ الاقتصاد العالمي، هذا بالإضافة إلى استخدام أمريكا كل قوتها كدولة لتشويه سمعة شركة هواوي الصينية الخاصة، وذلك دون أي أدلة مقنعة، و أمريكا بإجراءاتها هذه تخالف أبسط قواعد السوق، وتنتهك قواعد التجارة الدولة، وتضرب نموذجا حقيقيا على فرض الهيمنة الأحادية، و البلطجة الاقتصادية، و محاولة يائسة منها لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.
(1)
أولا-: الصين لا تريد حربا تجارية مع أمريكا، فبعد 40 سنة على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تضاعف حجم المبادلات التجارة الثنائية أكثر من 300 مرة، وقد شهد البلدين اندماجا اقتصاديا عميقا، و ترابطا تجاريا وثيقا، وهوماعاد عليهما وعلى الشعبين بمصالح جمة ملموسة.
هذا الارتباط الاقتصادي والتجاري المتداخل يجعل من نشوب نزاعات تجارية بين الجانبين أمرا طبيعيا، كما يجعل من السعي إلى تقليص النزاعات، وحل المشاكل، وتوسيع المصالح المشتركة على أساس الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المتبادلة، والوفاء بالتعهدات، والحافظ سويا على علاقات التعاون الاقتصادي التجاري الثنائي، والحفاظ على نمو مستقر للاقتصاد العالمي مهمة البلدين، وتحقيقًا لهذه الغاية  أضهرت الصين كامل صدقها وحرصها فقد أرسلت منذ العام الماضي وفودًا رفيعة المستوى وأجرت 11 جولة متتالية من المفاوضات الاقتصادية والتجارية مع أمريكا.
(2)
ثانيا-: الصين لا ترغب في خوض الحرب التجارية  لقناعتها بأنها و أمريكا تشكلان  أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم ، وأي توتر أو تأزيم بينهما يؤثر مباشرة على المصالح الجوهرية لشعبي البلدين كما يؤثر على استقرار وازدهار الاقتصاد العالمي، وشن الجانب الأمريكي لهذه الحرب التجارية ضد الصين لايصب في مصلحة التوصل  إلى حل للنزاعات التجارية القائمة، و يضرّ بالبلدين على حد السواء، وهناك أكثر من دليل على ذلك.
أولها: وحسب بيانات الجانب الأمريكي ستزيد الحرب التجارية من نفقات المستهلكين الأمريكيين بحوالي 68 مليار و800 مليون دولار أمريكي سنويا، وستقضي على مئات الآلاف من فرص العمل في المجتمع الأمريكي، مما سيضر بشكل شديد بمصالح طبقة العمال والفلاحين، والمستهلكين بشكل عام في أمريكا هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم تساهم الحرب التجارية في تقليص العجز في الميزان التجاري بين البلدين بل زاد بحوالي 10.4% خلال السنة المنصرمة، و في الآونة الأخيرة أصدرت عدة نقابات أمريكية بيانات رفض فرض رسوم جمركية أمريكية ضد الصين.
وثانيها أن الحرب التجارية قد أضرت كثيرا بأنظمة التجارة العالمية المتعددة، وظلت الصين تلتزم بصرامة بقواعد منظمة التجارة العالمية والهيئات الدولية ذات الصلة الأخرى في إطار تعاونها الاقتصادي والتجاري مع دول العالم المختلفة، وتحرك أمريكا من جانب واحد يضر كثيرا بمصداقية هذه الهيئات وقواعدها، وفي الحقيقة الصين ليست هي الضحية الوحيدة للهيمنة الأحادية، و البلطجة الاقتصادية الأمريكية بل إن جميع الاقتصادات الرئيسية العالمية تقريبا قد عانت من التهديدات والعقوبات المفروضة من أمريكا،  فكل من يعترض على أمريكا يعاقب، وعقوباتها لا تقتصر على المجال التجاري والاقتصادي فقط بل قد تطال مجالات أخرى.
أما ثالثها فقد بدأت الحرب التجارية تلقي بظلالها على  تعافي الاقتصاد العالمي، وقد خفضت منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي مؤخرا من توقعاتهما حيال نمو الاقتصاد العالمي خلال السنة الجارية، وذلك بفعل الاحتكاكات التجارية بين الصين وأمريكا، وقد تراجعت أسعار الأسهم للعديد من شركات التكنولوجيا العالية في الأوروبا بعد إعلان الجانب الأمريكي منع تصدير التكنولوجياالأمريكية إلى شركة هواوي الصينية، وفي الوقت نفسه عبر العديد من المحللين الاقتصاديين  الأفارقة عن قلقهم حيال تداعيات هذه الحرب على  تباطؤ وتيرة تعافي الاقتصاد العالمي، مما سيؤثر سلبيا على الصادرات الإفريقية من المواد الخام، واستقرار أسعار صرف العملات  المحلية لهذه الدول ؛ لذا فإن مصلحة البلدين تكمن في تعزيز تعاونهما أما مواصلة تأجيج الصراع فلا تؤدي إلا إلى إلحاق الضرر بمصالح البلدين.
(3)
ثالثا-:  الصين لا تخاف من خوض هذه الحرب، وهي ليست دولة ضعيفة ولم و لن تخضع لأي ضغوط خارجية، ولن تبقى مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء سافر يطالها و يطال مصالحها الجوهرية الذاتية، والاقتصاد الصيني يتمتع بصلابة قوية في مواجهة التهديدات والضغوط الخارجية، وقد شهدت الصين في العام الماضي زيادة معتبرة في حجم الصادرات والواردات، والتحسين المستمر لهيكلة الاقتصاد الصيني، وقد بلغ معدل النمو الاقتصادي للنصف الأول من السنة الجارية 6.4% متجاوزا التوقعات، وجاعلا من الصين الدولة الوحيدة التي رفع صندوق النقد الدولي من توقعاته حيال نمو اقتصادها خلال هذا العام.
والصين تملك الثقة والعزيمة والقدرة على الدفاع عن حقوقها المشروعة والصمود أمام كل المخاطر والصدمات الخارجية، وضمان نمومستقر لاقتصادها، كما ستتخذ التدابير اللازمة إذا استدعى الأمر للدفاع حتى النهاية  بكل ما أوتيت من قوة، ولا توجد أي قوة يمكنها أن توقف خطوات الأمة الصينية الثابتة على طريق تحقيق حلمها العظيم في نهضة الأمة الصينية.
 إن الصين  التي يلغ عدد سكانها أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة قد أحرزت في سنوات قليلة على طريق التنمية الشاملة ما حققه الغرب خلال قرون، وهذه الإنجازات ليست إطلاقا ولن تكون قطعا نتيجة للسطو على ثروات الآخرين  لكنها بكل تأكيد نتيجة للقيادة الحكيمة للحزب الشيوعي الصيني، ونتيجة لسلوك درب نظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، ونتيجة لاتباع سياسات الإصلاح والانفتاح، و نتيجة أيضا للحكمة الصينية العريقة، وعرق جبين الشعب الصيني الكادح.
إن الرفع من القوة العلمية والتكنولوجية للصين باستمرار جاء نتيجة للاعتماد على تزايد الاستثمار في البحث العلمي والتقني، مما عزز من القدرة الابتكارية والتنافسية، وكذلك بتوفير الدعم المالي للشركات العاملة في مجال التكنولوجيا الفائقة، وليس إطلاقا  نتيجة &لسرقة الأسرار التجارية وحقوق الملكية الفكرية& كما يتوهم البعض، وخلال 2018 كانت ميزانية البحث العلمي تناهز حوالي تريليونين يوان صيني  (حوالي 300 مليار دولار أمريكي أو 10 تريليونات أوقية ) ، وهو مستوى من الإنفاق يتجاوز منطقة اليورو، وقد  تربعت الصين على عرش العالم في  كل ما يتعلق بعدد الباحثين، وعدد طلبات براءات الاختراع، وعدد تراخيص الملكية الفكرية الصادرة، و نحن نعتقد أن هذه هي الأسرار الحقيقية وراء تحقيق الصين للمعجزة التنموية.
لنأخذ شركة هواوي على سبيل المثال، يشكل عدد العاملين في مجال البحث والتطوير حوالي 45% من 180 ألف موظف مجموع عمالها على المستوى العالمي، وتستثمر الشركة حوالي 15٪ من إيرادات مبيعاتها في البحث والتطوير، وتخطط مستقبلا لاستثمار 10-20 مليار دولار أمريكي سنويًا في البحث والتطوير، وتتقدم هواوي في مجال تقنيات الاتصالات على منافسيها بسنتين على الأقل، أيعقل أن يكون كل هذا نتاج عمليات السرقة؟
وتحافظ شركة هواوي على تعاون جيد مع الحكومات، والمؤسسات، ومنظمات المجتمع في أكثر من 170 دولة حول العالم، أيعقل أن يكون كل هذا نتاج عمليات السرقة؟
دخلت هواوي السوق الموريتاني سنة 2002 وظلت تقدم الأجهزة وخدمات الاتصالات العالية الجودة لشركائها المحليين، وتشارك بنشاط في بناء البنية التحتية، وتدريب الموظفين المحليين، وقد خلقت فرص عمل كثيرة  في المقابل لم نشاهد أي وجود لشركات الاتصلات الأمريكية، أيعقل أن يكون هذا أيضا  نتاج عمليات السرقة؟
  كانت الصين وستظل تقدم مساهمتها الهائلة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري العالمي، وتدافع عن تعددية الأطراف، وعن النظام التجاري المتعدد الأطراف، وتدفع بعجلة تحقيق تحرير وتسهيل التجارة والاستثمار في العالم ، كما ستظل توفر دعما صادقا، وغير أناني للدول النامية والفقيرة، وتسعى إلى توسيع وتعميق التعاون الاقتصادي والتجاري مع مختلف دول العالم على أساس المنفعة المتبادلة والفوز المشترك.
وقد طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ تصوره &لمجتمع المصير المشترك& للبشرية، ومبادرة &الحزام والطريق& في ظل النزوع نحو الأحادية، وسياسات الحمائية التجارية التي تشتاح العالم اليوم، وهو ما بات يعرف بالخطة صينية لمواجهة التحديات العالمية المشتركة، وتحسين الحوكمة العالمية، وقد تلقت هذه الخطة استجابة إيجابية من المجتمع الدولي.
وعلى النقيض من ذلك سعت أمريكا في السنوات الأخيرة إلى الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، و بدأت تهدم بيديها النظام العالمي الذي بنته، وتخرب المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، والحرب التجارية بين الصين و أمريكا التي تبدو في ظاهرها نزاعًا اقتصاديًا تجاريًا ثنائيًا، في الحقيقة جوهرها قضية كبرى تتعلق بمستقبل مسار التنمية العالمية، وتمس المصالح الذاتية لمعظم دول العالم، والصين لم تلمس الكعكة الأمريكية لكن أمريكا تخلت عن كعكتها من تلقاء نفسها.
إن الحقيقة لا تحتاج إلى برهان، وأي شخص غير متحيز يستطيع أن يحكم من تلقاء نفسه على  من يبني السلام العالمي ومن يدمره ؟ من يساهم في التنمية العالمية و من يضع العقابات في طريقها؟  من يحافظ على النظام الدولي ومن يقوض أركانه ؟  ومن هو الصديق للدول النامية الفقيرة ومن هو خصمها؟   
إفريقيا وخلال مسيرتها التنموية تحتاج إلى الصين، وهما شريكان طبيعيان، و لطالما دعمت كل من الصين وموريتانيا بعضهما البعض في القضايا الجوهرية ذات الاهتمام المشترك، وفي سبتمبر من العام الماضي وخلال زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز للصين للمشاركة في منتدى التعاون الصيني الإفريقي تم  التوقيع على مذكرة التفاهم بشأن بناء مبادرة &الحزام والطريق& لتحديد مسار تطور العلاقات الثنائية بين البلدين.
موريتانيا على وشك إجراء انتخابات رئاسية نتمنى لهذه الانتخابات نجاحًا باهرا، كما نتمنى الاستقرارالدائم والأمن طويل الأمد لموريتانيا، ونحترم خيار الشعب الموريتاني المستقل، ونحن على استعداد لتعزيز التعاون مع مختلف الأوساط الموريتانية، ومساعدة موريتانيا على تحقيق المزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقدم ، مما يدفع علاقات الصداقة والتعاون الصينية الموريتانية إلى أعلى مستوى خدمة للبلدين والشعبين.
 نرحب أيضا بالجانب الموريتاني للمشاركة بفعالية في بناء الحزام والطريق الذى يتخذ من التشاور، والتعاون، وتقاسم المنفعة مبدئا، ويركز على تنسيق السياسات، وترابط البنية التحتية، وتبادل التجارة، وتداول رأس المال، وتفاهم الشعوب ويهدف إلى بناء مجتمع المصير المشترك بين الصين والدول الإفريقية والعربية، والصمود أمام القطبية الأحادية، والحمائية التجارية لتعزيز التنمية المستدامة وصحية للاقتصاد العالمي، وحماية المصالح المشتركة لازدهار وتنمية البشرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق