الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

الطريق إلى الوحدة الوطنية (ج4)

  

تكملة للحديث السابق عن الأبنية التقليدية في المجتمع الموريتاني وبقائها عصية على الاختراق رغم مرور نصف قرن على قيام الدولة الوطنية، وما يمثّله ذلك من مشكلة صادمة  وأزمة اجتماعية هيكلية تشي بخطر داهم
يهدّد الوحدة الوطنية من أساسها، نتجّه الآن إلى إطلاق نداء "أخير" عسى أن تتحرّك قوارب النجاة لتدرك سفينتنا العالقة في الوحل منذ أزيد من خمسين سنة قبل أن يحاصرها الموج من كلّ مكان فلا نستطيع لها فكاكا.
 ـ نداء إلى "صقور" الأرستقراطية التقليدية:
   تحتلّ قمةَ الهرم الاجتماعي التقليدي في بلادنا فئتان هما العرب والزوايا، ومصطلح العرب في هذه البلاد ـ خارج الإطار الجينالوجي البحت ـ مفهوم توصيفي يدلّ على الفئة التي هيمنت على السلطة السياسية والمادية قبل قيام الدولة الوطنية، وتبنّت من القوة والعنف مسلكا لتحقيق وجودها وإرادتها في الحياة، وكان أفرادها  يعيشون في العادة على المغارم والإتاوات التي يفرضونها على الآخرين، يقول المختار ولد حامدن رحمه الله: "شيمة هذه الفئة اقتناء السلاح ومداومة الكفاح وامتلاك الرقاب، أموالهم سلاحهم وحصونهم ظهور خيلهم، عيشتهم الصيد وما يأخذونه من المغرم أو ما ينهبونه من الأعداء، وما عدا ذلك فهو عيب عندهم من تجارة أو حرث أو اقتناء ماشية".
   وقد كان لهذه الفئة الفاضلة دور كبير في تأسيس كينونة الوجود الذاتي لبلاد شنقيط في زمن السيبة، وكذلك الدفاع عن الحوزة الترابية لهذا الإقليم في مواجهة الأطماع الخارجية عموما، والغزو الاستعماري على وجه الخصوص، وذلك ما تشهد عليه تضحيات أبطال المقاومة مثل الشريف سيدي ولد مولاي الزين والشريف الشيخ حماه الله والأمير بكار ولد اسويد أحمد والأمير أحمد ولد الديد والأمير ولد أحمد عيده وأولاد عبدوكه، وغيرهؤلاء خلق كثير.
    أما فئة الزوايا التي يقال إنّ عبارتها مستمدّة من أركان البيت وقيل من الانزواء لأنّها انزوت عن الحرب وحمل السلاح، فهي التي تمتلك السلطة الروحية والثقافية وتكرّس أخلاقيات الزهد والتفرغ للعلم والعبادة لتعويض الركاب بالكتاب والسلاح بالألواح، وبذلك تولّت إدارة الدين والثقافة وامتلكت سلطة تأويلهما، يقول الدكتور محمد ولد عبدي رحمه الله: "لقد ركّزوا في أذهان المجتمع أنّ الثقافة سلاح نفّاذ يمكن أن يصيب الظلمة وأن يقصّر المسافة وأن يعيد الضالة إلى أوكارها وأن يحمي الدواجن من افتراس الذئاب، فضلا عن قدرته على شفاء جميع الأمراض الجسمية والنفسية، معتمدين في ذلك على وسائط ميتولوجية مثل "الحجاب" من خلال "سرّ الحرف"، و"التازبة" التي ينتصر بها الله للضعفاء من عباده وخصوصا إذا كانوا من الزوايا".
    غير أنّهم خارج هذا المسلك الأسطوري المستغرب حملوا مشعل العلم دراسة وتدريسا، فكان منهم فطاحلة العلماء، وكانت الدراسة عندهم تتمّ على مستوى المدارس القرآنية التي تركّز على القرآن وحفظه، ثم المحاظر ذات المستوى العالي في مجال الدراسات الدينية واللغوية مثل علوم التوحيد والتفسير والحديث والفقه المالكي، إلى جانب علوم الآلة مثل النحو والبلاغة أو المعارف الطبيعية كالمنطق والتنجيم والفلك.
    وقد اشتهرت لهذه الفئة الكريمة محاظر كثيرة وأحيانا ذات طابع تخصّصي كمحظرة أهل محمد سالم المجلسيين في الفقه، ومحظرة المختار ولد بونه في النحو، ومحظرة أهل بيّه في القرآن وعلومه، ومحاظر أخرى عديدة يضيق المجال عن حصرها، كما نبغ منها علماء أجلاء نذكر منهم على سبيل المثال سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم والشيخ محمد المامي ولمرابط محمد فال ولد متالي، ولمّا قدم الاستعمار كانت المقاومة الثقافية لهذه الفئة ذات أهمية كبيرة في التصدّي للهجمة الثقافية الشرسة للاستعمار، ومن تلك المقاومة فتاوي أبناء ما يابى والشيخ ماء العينين رحم الله الجميع.
   والنداء الذي أودّ توجيهه إلى أبناء هاتين الفئتين الفاضلتين هو أنّه لا يمكن لأي أحد إلاّ من كان مكابرا المزايدة على صفحتين ناصعتين من تاريخهما، صفحة مقاومة المعتدي، وصفحة نشر العلم والثقافة، وعفا الله عمّا سلف في ما يتعلّق بالعنف وامتلاك الرقاب من جهة، و"سرّ الحرف" و"التازبّه" من جهة ثانية، غير أنّ ما يهمّنا أكثر هو ما نحن عليه اليوم، وكيف يمكن أن نؤسّس لمجتمع متلاحم متراحم، يثمّن المشتركات ويتجاوز ما كان من العثرات والخلافات، وفي هذا الصدد لزم على "صقور" الفئتين أن يدركوا أنّ طبيعة الحياة قد تغيّرت، فمن سنّة الله في خلقه أن لا يدوم شيء مّا، مهما كان على صورة واحدة، لهذا وجب أن يتقبّلوا بل يدعموا بروح رياضية إرهاصات التغيّر الحاصل في التشكيلة الاجتماعية، خصوصا أنّه تغيّر يتماهي مع روح الشريعة ومبادئ القانون ومنطق العقل السليم، ويستجيب لمطالب العصر، وعلى هذا الأساس فأيّ مانع من أن يتحوّل من كنت تعدّه بالأمس ـ  أيّها "الصقر" المحترم ـ عبدا لك أو مولى، ليصبح اليوم أخا لك وصديقا، وفي المثل السائر: "ربّ أخ لك لم تلده أمّك" أوليس في تاريخنا الإسلامي من الحقائق الثابتة والأدلّة الناصعة على مثل هذا التغيّر الذي يكرّس الامتزاج والتساكن والمساواة بين الأطراف والفئات والأعراق ما لا يحصى؟
   ثمّ ما قيمة العنتريات والخزعبلات مثل "ول الخيمة لكبيره"، "ول الناس المعلومه"، "امنادم نسيب"، "امنادم دمو ظافي" في زمن كهذا لا مكان فيه إلاّ للعلم والعمل، ألم يقل جلّ وعلا: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون" دعونا نتجاوز ـ كالشعوب المحترمة ـ العنتريات الهزيلة والمكانة الموروثة إلى ثقافة القيمة المكتسبة ومبدأ "إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا".
  إنّ تلك العنتريات المتعصّبة لا تعدو أن تكون نزغا من الشيطان فاستعيذوا بالله يا من ترون الفضل على الناس، فعبارة "أنا أفضل منه" عبارة إبيلسية بامتياز، وعن طريقها حلّت به اللعنة وطرد مذموما من الجنّة إلى يوم يبعثون، واعلموا أن أصل الأخلاق المذمومة كلّها هو الكبر والاستعلاء، وهو سبب الفرقة والنزاع والاختلاف والبغضاء بين الناس، وعذّبت أمم سابقة لاتّصافها به، والمتكبّرون يوم القيامة يحشرون بنقيض قصدهم، قال صلّى الله عليه وسلّم "يحشر الجبّارون والمتكبّرون يوم القيامة في صور الذرّ يطؤهم الناس بأرجلهم" رواه الترمذي، ومن حمل في قلبه ولو شيئا يسيرا من الكبر دخل النار، قال عليه الصلاة والسلام "لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرّة من كبر" رواه البخاري، فيا أيّها "الصقور" عبدة عنتريات الغرور والكبر، اعلموا أنّ الكبرياء من خصائص الربوبية، فمن اتّصف به من المخلوقين عذّبه الله، ففي الحديث القدسي "الكبراء ردائي والعظمة إزاري ومن نازعني واحدا منهما عذّبته" رواه مسلم، ثمّ إنّ الله جلّ جلاله هو المتكبّر، قال سبحانه عن نفسه "العزيز الجبّار المتكبّر" فالحذر الحذر أيّها الناس، أيا من فقدتم صولجان الدنيا وبهرجتها الزائفة، لا تفتكم فرصة سعادة الآخرة، فهي خير وأبقى.
     لقد جاءت الشريعة الإسلامية مبيّنة القيمة الأخلاقية الرفيعة للتواضع فالزموه حفظكم الله، قال تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"، وقال صلى الله عليه وسلم  "إنّ الله قد أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" رواه مسلم.
    فيا "صقور" الزوايا والعرب يرحمكم الله "خلوا شي افوت"، فزمن السيبة انتهي وهذا زمن الدولة، ألا يكفيكم ما مضى على هذه الأرض من الظلم والعنصرية والطبقية حتّى تسعوا جاهدين إلى التشبّث به وإعادة إنتاجه، ألا نلاحظ أنّكم ما زلتم ـ عن سبق إصرار وترصّد ـ تزرعون هذه الثقافة البائسة بشكل فجّ وممنهج في أذهان النشء البريء، حتّى لا يبلغ الواحد منهم الحلم إلا وقد أصبح من أشدّ المتعصّبين والعنصريين، ومن المؤمنين إيمانا جازما بالحدود والمتاريس التي يجب أن تبقى عنده فاصلة إلى الأبد بين مكوّنات المجتمع الواحد. إنّ هذا ـ لعمري ـ  لهو البلاء المبين، فكيف لا تتجذّر إذن ثقافة البنيات التقليدية وتصبح قادرة على التكيّف والتجدّد، والقوى "الظلامية" ما تزال ترعاها وتدافع عنها، بسبب المزايا المعنوية التي تنالها من تلك الوضعية، وما قد ينجرّ عنها من منافع مادية.
   إنه سلوك عنصري يرمي في نهاية المطاف إلى احتكار قيم الفوقية والنبل والشرف مناصفة بين فئتين من المجتمع، بل بين "صقورهما" فقط، وحرمان الآخرين منها بشكل تلقائي ومطلق. وإضافة إلى كون هذا المنطق يجافي الحقيقة، فهو أيضا سلوك هدّام ينثر مزيدا من بذور الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن الواحد.  
   إنّ ما على "الصقور" أن يفهموه اليوم ـ وأُلحّ على عبارة "الصقور" لأنّني أنطلق من فحوى الآية الكريمة "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وأعلم أنّ الكثيرين من العرب والزوايا ليسوا "صقورا" بالمعنى الذي نقصده هنا، وإنّما هم "حمائم" وادعة ومسالمة، لا ناقة لهم ولا جمل في ثقافة الكبر والعنجهية ـ ما على "الصقور" أن يفهموه إذن هو أنّ رمزيتهم وفوقيتهم المزعومة كانت رهينة بالسياق الذي أنتجها، لكنّ العصر الآن اختلف، واختلفت معه القيم الرمزية ورهانات القوة وأسلحتها وأساليبها، وأصبح عصر الديمقراطية والعلم والتقنية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وعلى الذين لم يستوعبوا بعدُ هذه الحقيقة أن يمرّنوا أنفسهم و"يحيّنوها" بسرعة حتى لا تتجاوزهم عجلة التاريخ التي لا ترحم القاعدين والجامدين.
     وبناء عليه وجب تنبيهكم معشر "الصقور" إلى أنّ نضال العديد من الناشطين الحقوقيين ومن ورائهم خلق كثير من أبناء شرائحهم المهمّشة، هؤلاء الذين ليسوا عندكم إلاّ دعاة فتنة، نضالهم في الحقيقة دفاع عن كرامتهم المستلبة وأحيانا عن حقوقهم الضائعة، فإن لم تؤازروهم في دعواتهم الساعية إلى رفع الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء دولة القانون، فلا أقلّ من أن تكفّوا عنهم ألسنتكم الرطبة بالشتم والتخوين.
     إن التمايز الاجتماعي القديم، وما ولّد من تراتبية طبقية ما زالت سارية المفعول إلى الآن، لم يعد له اليوم أدنى مسوّغ، بل لا بدّ من تحوّل اجتماعي حقيقي، تذوب فيه الفوارق العنصرية المبنية على أساس اللون والعرق والمكانة الموروثة، لتحلّ محلّها فوارق جديدة مبنية على أساس الذكاء والكفاءة والمنزلة المكتسبة.
   والمعوّل عليه في مسيرة التحوّل الاجتماعي الراهن هو تفهّم كلّ الأطراف لطبيعة اللحظة التي نمرّ بها، وأخصّ تحديدا المنصفين والوطنيين الأخيار من جناحي الأرستقراطية التقليدية، وكما يقال في الحياة السياسية إنّ السلطة هي التي عليها أن تتنازل للمعارضة، لأنها هي التي تملك سدة الحكم وقوة الدولة ووسائلها، كذلك يمكن القول إن "صقور" الزوايا والعرب هم الذين عليهم أن يتنازلوا عن فوقيتهم واحتقارهم للآخرين من أجل أن يتقارب الجميع وينصهر في بوتقة واحدة هي بوتقة اللحمة الوطنية المنشودة.
د. محمد ولد محفوظ
                                          ـ يتواصل ـ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق